عبد الوهاب الشعراني
311
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )
من باب الأعمال الصالحة ، قال : وإنما لم تطرده الملائكة عن عرفة لعلمهم بأن عنده معرفة اللّه عزّ وجلّ ودخول المشركين المساجد جائز في الجملة انتهى . ( فإن قلت ) : فما الحكمة في وقوع آدم عليه السلام في أكله من الشجرة ثم نزوله بعد ذلك إلى الأرض التي هي دون الحضرة التي كان فيها ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب التاسع والثلاثين : أن الحكمة في ذلك كله تأنيس العلماء والأولياء إذا وقعوا في زلة فانحطوا عن مقامهم العلي وظنوا أنهم نقصوا بذلك عند اللّه تعالى فيعلمون بقصة آدم عليه السلام ، أن ذلك الانحطاط الذي أحسوا به في نفوسهم لا يقضي بشقائهم ولا بد فربما يكون هبوطهم كهبوط آدم للتكريم والحق تعالى لا يتحيز والوجود العلوي والسفلي كله حضرته فليست السماء التي أهبط منها أقرب إلى الحق من الأرض وإذا كان الأمر على هذا الحد فعين هبوط الولي في عين الناس بعد الزلة وزله وانكساره بسببها هو عين الترقي ، فقد انتقل بالزلة إلى مقام أعلى عما كان فيه لأن علو الولي إنما يكون بزيادة المعرفة والحال وقد زاد هذا الولي بحصول الذلة والانكسار من العلم باللّه تعالى ما لم يكن عنده قبل الزلة وهذا هو عين الترقي فعلم أن من فقد هذه الحالة في زلته ولم يندم ولم ينكسر ولا ذل ، ولا خاف ، مقام ربه ، فهو في أسفل سافلين ونحن ما نتكلم إلا على زلات أهل اللّه عز وجل إذا وقعت منهم قال تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا [ آل عمران : 135 ] . الآية . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الندم توبة » وقيل لأبي يزيد البسطامي أيعصي العارف ؟ فقال : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا . فلم يقل : لا يعصي ولا أنه يعصي أدبا مع اللّه تعالى ، ومعنى : وكان أمر اللّه قدرا مقدورا أي : أن معصية أهل اللّه تعالى بحكم القدر النافذ فيهم لا غير ولا يصح في حقهم أن يقعوا في المعاصي قط بشهوتها كما يقع فيها غيرهم لأن في ذلك انتهاكا لحرمات اللّه تعالى وأهل اللّه تعالى محفوظون من شهوة المعاصي والتلذذ بها فإن الإيمان المكتوب في قلوبهم يمنعهم من ذلك . قال سيدي علي الخواص رحمه اللّه تعالى : « ومن حكمة وقوع العبد في المخالفة للأوامر وقوعه في مقام الإذلال بالطاعات وعجبه بها » . فإن توالي الطاعات الصرف ليلا ونهارا تورث غالب الناس الزهو والعجب وشهود أنهم خير من كثير من الناس ، وهذا غاية البعد من حضرة